كيف نقطع الطريق على التطبيع باسم القضية السورية

استضاف معهد «ترومان» الصهيوني للأبحاث، التابع للجامعة العبرية في القدس المحتلّة، معارضيْن سوريَّيْن للحديث عن الأوضاع في سوريا أمام مئات الطلبة الإسرائيليين. لم تكن الندوة التي نُظِّمت يوم الثلاثاء الماضي المرّة الأولى التي يزور فيها معارض سوري الجامعة العبرية، فقد استقبل المعهد نفسه طبيبًا سوريًا في آذار 2015 للحديث حول الحرب في سوريا، ضمن فعاليات مؤتمر ناقش التهجير القسري و«أزمة» اللاجئين. رفض الطبيب السوري المعارض الكشف عن هويته الحقيقية، أو تحديد المؤسسة التي يعمل فيها، كما حظر المنظمون التقاط أي صورٍ له أو تسجيل محاضرته. لم يكتفِ الطبيب بإدانة جرائم النظام السوري ووصف معاناة المدنيين، بل أغدق المديح على سلطات الاحتلال الإسرائيلي وما تقدمه من مساعداتٍ «إنسانية» للجرحى واللاجئين السوريين، متجاهلًا أن الجامعة التي تحدّث فيها مقامةٌ على أرضٍ فلسطينيةٍ محتلة، وأنّ الدولة التي أثنى على «إنسانيتها» مسؤولة عن تهجير أكثر من 750.000 فلسطيني في العام 1948، وعن حرمان ملايين اللاجئين من حقّهم في العودة إلى وطنهم. لقي كلامه ترحيب وتصفيق عشرات الإسرائيليين، إلا أن مشاركته لم تثِر الكثير من الجدل لأنّها أحيطت بقدرٍ من التّعتيم من قبل المنظّمين، واقتصرت الدعوة على طلاب قسم العلاقات الدولية في الجامعة العبرية.

أما النّدوة التي عُقِدت الأسبوع الماضي والتي حملت عنوان «السوريون يتكلّمون» فقد حظيت بتغطيةٍ غير مسبوقة ووصفها منظّموها بأنّها فرصة «تاريخية» للتعرّف إلى «ممثلين عن المعارضة السورية» دون ذكر أسمائهم حتى موعد النّدوة، والتّواصل ببثٍ حيّ ومباشر مع «قادة عسكريين» متواجدين داخل سوريا. كان الترويج لهذه الندوة من قبل معهد «ترومان» أشبه بإعلانٍ عن أمسية لنجم بوب عالمي يزور «إسرائيل» للمرة الأولى، أو دعاية مبتذلة لمنتج لم يعرض في الأسواق من قبل، وأصبح «السوريون» أشباحًا منزوعة الاسم والوجه والهوية -تمامًا كما ينظر نظام الأسد إلى كل السوريين- ومثارًا لفيتيشيّة الطلاب الإسرائيليين كأنّهم مقبلون على رؤية كائناتٍ من الفضاء الخارجي. «هل ستذهبين لرؤية السوريين؟» سأل طالب صهيوني زميلته. «عليكِ أن تفعلي، سيكون مثيرًا وغريبًا وسيتحدّثون إلى مقاتلين من الميدان، لا تضيّعي هذه الفرصة».

ولكن مَن هم أولئك «السوريون» الذين أتوا للحديث في الجامعة العبرية، وأجبروا المنظّمين على نقل النّدوة إلى قاعة أكبر بسبب الإقبال الكثيف؟ مَن هم أولئك «السوريون» الذين يؤكّد الإعلام الإسرائيلي والإعلام الموالي للنظام السوري على حدٍّ سواء، أنّهم ممثلون عن المعارضة السورية أو مقاتلون في المعارضة المسلّحة؟

افتُتِحت النَّدوة بعرض كلمة مصوّرة للمدعو فهد المصري المقيم في باريس والمنسّق الإعلامي لمجموعة «الإنقاذ الوطني» وعلى ما يبدو أنّها منبثقة عن جبهة الخلاص الوطنية التي يتزعمها نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدّام. اقترح المصري في كلمته «خارطة طريق» تضمن السلام والصداقة بين ما أسماها «سوريا الجديدة» وبين الاحتلال الإسرائيلي، متمنيًا على الاحتلال توفير الدعم العسكري لإسقاط النظام السوري. ظنَّ البعض أنّ كلمة فهد المصري لم تكن سوى مقدّمة لظهور شخصيات تملك تأثيرًا ما على الأرض أو صلةً بالشارع السوري، لكن الضيفين اللذين نجح المعهد في إحضارهما، بعد أكثر من شهرٍ من التّرويج والصخب والتّهليل لـ«تاريخية» الحدث، كانا بنفس القدر من الانفصال عن نضال السوريين وقضيتهم. المتحدّث الأول كان الصحفي السوري الكوردي سيروان قجو المقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ أعوام. أجرى قجو بعد مداخلته الموجزة حول الأوضاع في سوريا، وتحديدًا أوضاع الأكراد، مقابلةً عبر سكايب مع ناشط سوري معارض متواجد في مدينة عامودا. كان من الواضح لكلّ مَن استمع إلى تلك المقابلة أنّ الناشط من مدينة عامودا لم يكن يعلم أنّه يخاطب جمهورًا إسرائيليًا، ومع ذلك أصرّت كسينيا سفيتلوفا، المشرفة على النّدوة وعضو الكنيست عن المعسكر الصهيوني، والتي سمح لها النظام السوري بزيارة دمشق في العام 2006، أصرّت على وصف هذا الحوار باللحظة التاريخية.

لحظة «تاريخية» أخرى كانت بانتظار الجمهور حين بدأ الضيف الثاني بالحديث. قدّمت سفيتلوفا عصام زيتون، النجم الصاعد في الإعلام الإسرائيلي ورجل المهمات التطبيعية الأخيرة، على أنّه ممثل عن «الجيش الحر» وعضو سابق في الائتلاف السوري المعارض. سبق لعصام زيتون المقيم في ألمانيا منذ 27 عامًا، المشاركة في مؤتمر هرتسليا للأمن القومي الإسرائيلي في حزيران/يونيو من العام الماضي، مدّعيًا تمثيل «الجيش الحر»، الأمر الذي نفته قيادة «الجبهة الجنوبية»، مضيفةً أنّ ادّعاءات زيتون بتمثيل الجيش الحرّ كاذبة. لم يتوقف كذب وخداع زيتون عند هذا الحدّ، فقد أجرى هو الآخر مقابلة عبر سكايب مع مقاتل متواجد في القنيطرة معروفٍ بلقب «أبو صخر»، موهمًا إيّاه أنّه يخاطب مؤسسة إنسانية. ما إن بدأ «سيادة العقيد الركن أبو صخر» حديثه بشكر المؤسسات الخيرية والمجتمع الدولي حتّى قاطعته طالبةٌ فلسطينية موضّحةً له أنّ المؤسسة الخيرية التي يظن أنّه يتحدث إليها ما هي إلا الجامعة العبرية، وأنّ المجتمع الدولي الذي يشكره ما هو إلا المجتمع الإسرائيلي. اضطر المنظّمون لقطع الاتصال «بأبي صخر» ونجحالاحتجاج العفوي الذي أطلقته طالبات فلسطينيات داخل القاعة في تعطيل الندوة لعدة دقائق، والتّأكيد بأنّ محاولات التطبيع هذه لن تمر بلا محاسبة.

الأهمّ من ذلك كله أنّ الغالبية العظمى من السوريين المناهضين للنظام السوري أدانوا توظيف المأساة السورية من أجل تلميع صورة الاحتلال الإسرائيلي، ورفضوا حتى التفكير بالتحالف مع الاحتلال تحت أي مسمّى كان، ولم يقبلوا بالمفاضلة بين نظامين مجرمين، أو استخدام قمع النظام ومجازره للدفاع عمّن يلقون أنفسهم في أحضان الاحتلال.

منذ ستة أعوام والاحتلال الإسرائيلي يستخدم ملف الإغاثة الإنسانية، وعلاج الجرحى السوريين، وأزمة اللاجئين غطاءً لمحاولاته المستمرة لتحسين صورته في أعين السوريين، وخلق رأي عام مستعد للتطبيع مع الاحتلال، وتجاوز الثوابت الوطنية التي ترى بالاحتلال الإسرائيلي عدوًّا للشعب السوري.

يوفر استمرار الحرب، وإجرام النظام السوري، وسحق الثورة السورية، وإقصاء المعارضة الوطنية، أرضيةً خصبةً لمساءلة هذه الثوابت (والسخرية منها أحيانًا) والحدّ من قدرة المجتمع على تطوير أدوات لمقاومة الاختراق الصهيوني. لا شك بأنّ الاحتلال الإسرائيلي ومَن يدعون للتحالف معه من معارضين سوريين هم من أبرز المستفيدين من تسخير النظام السوري وحلفائه للقضيّة الفلسطينية لإضفاء الشرعية على قتل السوريين وحصارهم وتهجيرهم، وبالتالي تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وإضعاف قدرة المجتمع على التصدّي لأجندة التطبيع.

كما أنّ الطريق إلى دمشق لا تمرّ من تل أبيب أو من استجداء الاحتلال، فإنّ الطريق إلى القدس لا تمرّ من الغوطة أو على أشلاء السوريين، وركام منازلهم، وأحيائهم، ومدنهم.

على الرغم من وحشية النظام والضخ الإعلامي والجهود الإسرائيلية، ووجود معارضين سوريين انتهازيين يدعون للتحالف مع الاحتلال، من باب المصلحة السياسية تارةً، ومن باب «النكاية» تارةً أخرى، لا يزال المجتمع السوري رافضًا ومعاديًا لإسرائيل. ليست الفطرة وحدها السبب في ذلك، بل يضاف إليها الوعي التّحرري الذي شكّلته الثورة لدى الكثيرين، والإدراك بأنّ نظامًا يحمل سوطًا باليد اليمنى لجلد الناس وتحطيم إرادتهم، لا يمكن الاعتماد عليه لمدّ يده اليسرى كي يخلّص شعبًا آخر من المذبحة.

هذا لا يعني أنّه يمكننا مواصلة التّعويل على حتمية رفض غالبية السوريين للتطبيع، فالثوابت قابلة للتبدّل في ظل حربٍ أحدثت دمارًا شاملًا في بنية المجتمع، وتحت نظامٍ دفع قمعه وإجرامه بعض السوريين لاعتبار إسرائيل عدوًا ثانويًا أو أشد «رحمة»، ومع وجود مجموعات معارضة سمحت للنظام باحتكار الخطاب الوطني، بفتحها خطوط حوار مع «إسرائيل».

من هنا تحديدًا تأتي أهمية تصدّي الفلسطينيين لأي محاولة تسعى للتطبيع بين شخصيات سورية وبين الاحتلال الإسرائيلي، على أن يكون منطلق تصدّينا هو إيماننا بحقّ السوريين بالانعتاق من الظلم والقهر، وعلى أن يكون أساس إدانتنا للمعارضين المطبّعين هو رفضنا لكافّة أشكال الاضطهاد أيَّا تكن هويّة ممارسه، فكما أنّ الطريق إلى دمشق لا تمرّ من تل أبيب أو من استجداء الاحتلال، فإنّ الطريق إلى القدس لا تمرّ من الغوطة أو على أشلاء السوريين، وركام منازلهم، وأحيائهم، ومدنهم.

الفلسطيني الذي احتفل بقصف المدن السورية واقتحامها وإفراغها من أهلها لا يملك الحقّ الأخلاقي بمواجهة المطبّعين والمتسلّقين، والفلسطيني الذي صمت ولا يزال عن نكبة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وعن قتل أكثر من 450 معتقلًا فلسطينيًا تحت التعذيب في سجون النظام السوري منذ العام 2011، لا يمكنه أن يحاضر في الوطنية، أو الحرية، أو العدالة، أو البوصلة الواحدة، والفلسطيني الذي يدعم نظامًا وقوى جعلت من القضية الفلسطينية ستارًا لحجب جرائمها أو تبريرها، هو وجه العملة الآخر للمعارض السوري الذي يستحضر الجحيم السوري ليثبت أنّ الاحتلال الإسرائيلي «جنّةٌ» بالمقابل.

عصام زيتون، وسيروان قجو، وفهد المصري، وكمال اللبواني ليسوا سوى واجهة يختبئ خلفها عرّابو مشروع التطبيع الحقيقيون، والزيارة الأخيرة للجامعة العبرية والقدوم إلى الكنيست الصهيوني والمشاركة في مؤتمر هرتسليا هي محاولات لجسّ نبض الشارع الفلسطيني والسوري، واختبار موقفنا من التطبيع.

مواجهة هذا المشروع تتطلب تضامنًا بين السوريين والفلسطينيين، بين الناس لا النخب، ومع الشعب السوري وليس مع السلطة وحلفائها الذين يبتزّون السوريين باسمنا. هذا ما فعله أبناء مخيم درعا في نيسان 2011 حين هبّوا لنصرة أهالي درعا المنتفضين رغم رصاص القنّاصين وخطر الاعتقال، وهذا ما فعله أهالي اليرموك حين فتحوا قلوبهم وبيوتهم لاحتضان النازحين السوريين وحين اختلط الدّم الفلسطيني والسوري بعد غارة «الميغ» الأولى، وهذا ما فعله «الشباب السوري الثائر» حين هتفوا «فلسطيني سوري واحد» في الصالحية وركن الدين أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2012.

التمسّك بخطابٍ تحرري شامل، والتّأكيد على وحدة القضية والمصير هما حجر الزاوية لمواجهة الاحتلال والاستبداد والقهر والأصوليّة.

2017-07-14 2017-07-14
mubasher24