ما سرّ تهديدات عبّاس لـ”حماس” تزامناً مع لقائه بترامب؟

عقب لقائه الأوّل بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في البيت الأبيض بـ3 أيّار/مايو الحاليّ، أعلن رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس، خلال لقائه بالسفراء العرب في واشنطن بـ44 أيّار/مايو الحاليّ، قراره باتّخاذ خطوات غير مسبوقة ومؤلمة ضدّ حركة “حماس”، التي تعتبرها واشنطن منظّمة إرهابيّة. وتدور أسئلة عدّة في الشارع الفلسطينيّ حول ماهية الإجراءات التي سيتّخذها محمود عبّاس ضدّ “حماس” وأسباب تزامن تهديداته مع زيارته لواشنطن؟

وقال محمود عبّاس خلال لقائه بالسفراء العرب: “سأتّخذ خطوات غير مسبوقة، بعدما أوقفت حماس المصالحة، سأتّخذ خطوات غير مسبوقة وستكون مؤلمة، إذا لم تعد عمّا فعلته”، في إشارة إلى رفض “حماس” تسليم قطاع غزّة إلى حكومة التوافق.

وقال البيت الأبيض في بيان صدر عنه، بعد لقاء عبّاس بترامب: “إنّ الرئيس ترامب ركّز على أهميّة القيام بالتزام واضح لمنع الخطاب الملهب ووقف التحريض، ومواصلة تعزيز الجهود لمكافحة الإرهاب”.

وتدور أسئلة عدّة في الشارع الفلسطينيّ حول ماهية الإجراءات التي سيتّخذها عبّاس ضدّ “حماس” وأسباب تزامن تهديداته مع زيارته لواشنطن؟

ورغم أنّ عبّاس لم يفصح عن الإجراءات التي سيتّخذها ضدّ “حماس”، إلاّ أنّ وزير الدفاع الإسرائيليّ أفيغدور ليبرمان قال في مقابلة مع إذاعة الجيش في 4 أيّار/مايو الحاليّ مساء: “إنّ عبّاس جادّ في وقف تمويل الكهرباء والماء لقطاع غزّة، فيما سيقطع الرواتب (عن موظّفي السلطة في غزّة) أيضاً”.

وكانت وسائل إعلامية إسرائيلية عدة ومنها القناة العاشرة الإسرائيلية كشفت في 27 أبريل الماضي أن السلطة الفلسطينية طلبت من إسرائيل وقف تمويل كهرباء قطاع غزة الموردة عبر الخطوط الإسرائيلية، حيث تدفع السلطة الفلسطينيّة نحو 70 مليون شيكل شهريّاً لإسرائيل (19.3 مليون دولار) مقابل مدّ قطاع غزّة بالكهرباء الإسرائيليّة، التي تشكّل ما نسبته 30 بالمئة من مصادر الطاقة في غزّة.

من جهته، استهجن الناطق الرسميّ باسم حركة “حماس” حازم قاسم تهديدات عبّاس ضدّ الحركة، وقال لـ”المونيتور”: “هذه التهديدات صدرت عن عبّاس خلال وجوده في واشنطن، وهذا يثبت أنّها نتيجة مطالب أميركيّة”.

أضاف: “عبّاس يحاول كسب رضى ترامب من خلال معاقبة حماس، فمنذ الإعلان عن توجيه البيت الأبيض دعوة إلى عبّاس لزيارة واشنطن في 10 آذار/مارس الماضي، بدأ عبّاس بالتهديد باتّخاذ خطوات عقابيّة ضدّ غزّة، لإثبات أنّه صاحب السيادة والشرعيّة في الأراضي الفلسطينيّة”.

وكانت حكومة التوافق اتّخذت، بصورة مفاجئة، في 4 نيسان/إبريل الماضي، قراراً بخصم 30 في المئة من رواتب موظّفي السلطة الفلسطينيّة في غزّة من دون الضفّة الغربيّة، الأمر الذي اعتبره مراقبون محاولة للإجهاز على إقتصاد غزّة.

وقال الخبير في الشؤون الفلسطينيّة الكاتب الإسرائيليّ تسفي برئيل في مقالة نشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيليّة بـ29 نيسان/إبريل الماضي: إنّ استمرار حكم “حماس” في غزّة وعدم تمكين حكومة التوافق لتولّي مسؤوليّة غزّة، تعدّان تفسيرات لا تلبّي تفسيراً لسلوك السلطة حول الإجراءات الأخيرة ضدّ غزّة.

ورأى أنّ إجراءات عبّاس كانت بمثابة المهر الذي قدّمه إلى ترامب، الذي حدّد الحرب ضدّ الإرهاب كمبدأ أساسيّ في سياسته الخارجيّة، وقال: “إذا كان عبّاس قد حدّد فعلاً معاقبة حماس كجزء من عمليّة سياسيّة، وليس كخطوة داخليّة، فإنّ من شأن ذلك مساعدته على إقناع ترامب بأنّه يحارب الإرهاب فعلاً، وأنّ نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيليّ) يضلّل ترامب والعالم حين يدّعي عدم وجود شريك فلسطينيّ لإجراء مفاوضات سلام. كما يمكن للخطوات التي قام بها عبّاس أن تشكّل ردّاً ملائماً على ادعاءات إسرائيل بأنّ عبّاس لا يمثّل غزّة، ولذلك لا يمكن التفاوض معه”.

أمّا حازم قاسم فقال: “واضح أنّ هناك رغبة من قبل أميركا وإسرائيل وعبّاس في إزاحة حماس من المشهد السياسيّ من أجل منح المفاوضات الزخم الشعبيّ والدوليّ المطلوب، وهذا الأمر سيفشل، كما فشل دائماً”.

ورفض قاسم تبرير عبّاس لتهديداته بسبب رفض “حماس” المصالحة، وقال: “عبّاس هو من يعطّل المصالحة عمليّاً بسبب رفضه حلّ مشكلة موظّفي غزّة وعقد الإطار القياديّ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة وفق إتّفاق المصالحة الموقّع خلال عام 2014. ولذلك، لا أعتقد أنّ هذه التهديدات هي بسبب المصالحة، بل لإرضاء ترامب من أجل الدفع نحو استئناف مفاوضات التسوية التي نرفضها”.

وفي ما يتعلّق بخيارات “حماس” لمواجهة هذه التهديدات، قال: “حماس لن تمنح عبّاس أيّ تنازلات تحت هذا الضغط، وستتّجه لتكوين جبهة وطنيّة شعبيّة لرفض هذا الحصار، الذي يهدّد به عبّاس، وستتحرّك إقليميّاً لحشد الدعمين السياسيّ والماليّ لقطاع غزّة”.

من جهته، أشار المحلّل السياسيّ مصطفى الصوّاف في حديث لـ”المونيتور” إلى أنّ تهديدات عبّاس تجاه حماس “تعد قرابين محبّة لترامب لقبول عبّاس ضمن التّحالف الأميركيّ – الإسرائيليّ لتصفية حركة حماس وإخضاع غزّة إلى مشروع التسوية، الذي يتبنّاه رئيس السلطة”.

وتوقّع مصطفى الصوّاف أن تكون طبيعة هذه الإجراءات غير المسبوقة ذات بعد حياتيّ معيشيّ، وقال: “بمعنى أنّ عبّاس سيتّخذ إجراءات تمس بحياة المواطنين مثل قطع الكهرباء والماء وتوقيف ملف العلاج في الخارج، إضافة إلى قطع مخصّصات الشؤون الإجتماعيّة في غزّة، وكلّ ذلك بهدف دفع الناس إلى نبذ حركة حماس”.

أضاف: “كما أنّ عبّاس يريد أن يثبت للرئيس الأميركيّ أنّه ممثل وحيد لكلّ الفلسطينيين، وأنّه من يملك السيادة والقرار في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، علماً بأنّ شرعيّة عبّاس كرئيس للفلسطينيّين منتهية منذ عام 2010”.

ولفت أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة طلال عوكل إلى أنّ تهديدات عبّاس تصبّ في إطار إعادة قطاع غزّة إلى شرعيّته وإنهاء حكم حماس فيه، من أجل الإثبات أنّه صاحب الكلمة الفلسطينيّة في أيّ مفاوضات جديدة، وقال لـ”المونيتور”: “لذلك، فإنّ استمرار حكم حماس في غزّة يضعف موقف عبّاس أمام ترامب، الأمر الذي يفسّر اتّجاه رئيس السلطة نحو اتّخاذ إجراءات غير مسبوقة ضدّ حماس”.

واستبعد عوكل بشكل كبير أن يشكّل ترامب فارقاً في تاريخ المفاوضات مع إسرائيل أو أن يمتلك القدرة على إلزام إسرائيل بتطبيق القرارات الدوليّة التي تصبّ في صالح الفلسطينيّين مثل قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في عام 1967، وقال: “لذلك، لا أتوقّع أن تكون هناك فرص كبيرة لنجاح أيّ مفاوضات جديدة بين إسرائيل والفلسطينيّين برعاية ترامب”.

وأخيراً، يبدو أنّ تهديدات عبّاس العقابيّة ضدّ “حماس” لن تفيده كثيراً على صعيد معاقبة الحركة التي لا تزال تواجه حصاراً إسرائيليّاً مفروضاً عليها منذ عام 2006، أو حتّى على صعيد الإثبات أنّه الممثّل الوحيد للفلسطينيّين، باعتبار أنّ غزّة لا تزال تحت حكم “حماس”، التي فازت بأغلبيّة المقاعد البرلمانيّة في الإنتخابات التشريعيّة الأخيرة، التي أجريت في الأراضي الفلسطينيّة خلال عام 2006

2017-05-19 2017-05-19
mubasher24