عدسة الكاميرا تتكلّم.. من قلب الملعب!

أثناء زيارتي الأخيرة للمملكة المتّحدة، تلقّيت دعوةً لحضور إحدى مباريات الدّوري الإنجليزيّ الممتاز لكرة القدم، من قبل صديقي عمر، الذي يعمل كمصوّرٍ محترفٍ ضمن إحدى الشبكات التلفزيونيّة الرياضيّة، فكانت فرصةً نادرةً لمتابعة المباراة من منظورٍ مختلفٍ لم أعهده سابقًا، وهو منظور الجالس خلف عدسة التصوير وليس أمام شاشة التلفزيون، فكيف بدت المباراة من وجهة نظر الكاميرات؟ دعوا العدسة تتكلّم من قلب الملعب:

صورةٌ بانوراميّةٌ شاملةٌ للملعب من الكاميرا الرئيسيّة

كان عمر مكلّفًا بالإشراف على فريق المصوّرين في هذه المباراة، حيث قام بالحضور إلى الملعب رفقة فريق العمل قبل ساعاتٍ من انطلاق المباراة، من أجل إتمام عمليّة تجهيز الكاميرات والمعدّات، ونصبها في أماكنها المناسبة قبل صافرة البداية، وفي المكان والموعد المحددين التقيت بعمر، الذي سمح لي بمرافقته في عمله الشاقّ والدقيق، والذي أنجز معظمه قبيل انطلاق المباراة، ليسنح له الوقت الكافي للإجابة عن أسئلتي واستفساراتي خلال زمن المباراة، حيث جلسنا بدايةً قرب المكان المخصّص للكاميرا الرئيسيّة، المثبّتة في أعلى نقطةٍ ممكنةٍ من مدرّجات القسم الأيمن للملعب، أعلى المنصّة الرئيسيّة، على ارتفاع حوالي 12 مترًا عن أرض الملعب، ونظرت إلى الشاشة المصغّرة المتّصلة بالكاميرا لأجد مشهدًا رائعًا! صورةٌ بانوراميّةٌ شاملةٌ لجميع زوايا المستطيل الأخضر، مع أجزاء واسعةٍ من المدرّجات!

خارطةٌ علويّةٌ تظهر توزّع الكاميرات في ملعب كرة القدم

لم تكن تلك سوى البداية، حيث انتقلنا أنا وعمر سريعًا لمتابعة بقيّة الكاميرات الثابتة، فتعرّفت على الكاميرات ال3 المساعدة، والتي تتوزّع على عرض المدرّجات أسفل الكاميرا الرئيسيّة، على ارتفاع 8 أمتارٍ تقريبًا عن أرض الملعب، وتقوم بمهمّة مساعدة الكاميرا الرئيسيّة في التقاط مشاهد أكثر قربًا، ومن بعدها نحو الأسفل تأتي كاميراتان على ارتفاع 5 أمتار تقريبًا من أرض الملعب، تقومان بنفس دور الكاميرات المساعدة ال3 تقريبًا، مع رصدٍ أكثر قربًا يتيح تغطية الركلات الثابتة ورميات التماس بوضوحٍ عال.

وعلى طرفيّ الملعب من الناحية الطّولية، توجد كاميراتان مثبّتتان على رافعتين هيدروليكيّتين، مهمّتهما رصد الحالات القريبة من المرميين، كالأهداف والانفرادات وركلات الجزاء وما إلى ذلك، كما توجد كاميراتٌ ثابتةٌ إضافيّةٌ حول الملعب على ارتفاع حوالي 3 أمتار، اثنتان منها موجودتان على الجانب الأيمن من الملعب، حيث الكاميرا الرئيسيّة وجيش الكاميرات المساعدة، و3 كاميراتٍ على الجانب الأيسر من الملعب، لاحظت أنّها بعيدةٌ عن أجواء النقل، فسألت عمر عن ذلك فأجابني أنّ تلك الكاميرات تستعمل فقط لتغطية الجماهير، أو للتسجيل والإعادة، ولا يجوز استعمالها في النقل المباشر، منعًا للوقوع في خطأ اختراق الخطّ الطّولي الوهمي، الذي يؤدّي لتغيير اتّجاه اللعب لدى مشاهدي التلفزيون، لذا فجميع الكاميرات الناقلة للمباريات توجد على جانبٍ طوليٍّ واحدٍ فقط من الملعب.

جانبٌ من عمل أحد مصوّري الكاميرا المحمولة من أرض الملعب

وهبطنا على أرض الملعب، حيث يعمل رجال الكاميرات المحمولة، والذين يبلغ عددهم 3، يتوزّعون على طول الملعب بمحاذاة خطّ التماس من جهة الكاميرا الرئيسيّة طبعًا، وقد أخبرني عمر بأنّ مهمّة تلك الكاميرات تتمثّل برصد ردود أفعال اللاعبين والحكّام من داخل الملعب، وأخذ صورٍ مكبّرةٍ لأهمّ لقطات المباراة، كالأهداف والضربات الثابتة وحالات التسلّل والخشونة والتبديلات، إضافةً لمتابعة حالة الجهازين الفنّيين ولاعبي الاحتياط، حيث يُتاح لأولئك المصورّين رصدهم عن قرب ،كونهم أصحاب أقرب المواقع إلى أرض الملعب، ولأنّهم يتمتّعون بحرّية الحركة والتنقّل، رغم صعوبة ذلك بسبب حملهم للكاميرات الثقيلة على أكتافهم، ممّا يتطلّب مهاراتٍ خاصّةٍ وتركيزًا عاليًا، كما يتطلّب عملهم تنسيقًا دائمًا مع جهاز الدعم الفنّي، لتلبية ما يُطلب منهم من متابعاتٍ خاصّةٍ أو لقطاتٍ يجب التركيز عليها.

ولا يقتصر العمل داخل أرض الملعب على الكاميرات المحمولة فحسب، إذ توجد المزيد من الكاميرات الثابتة، منها اثنتين مثبّتتين خلف المرميين، من أجل رصد كلّ ما يجري داخل منطقتي الجزاء، من أهدافٍ وانفراداتٍ وركلات جزاء وركلات مرمى، و6 كاميراتٍ أخرى مثبّتة على أخشاب المرميين، بواقع 3 لكلّ مرمى، مهمّتها التصوير عالي الدّقة من أجل تطبيق تقنيّة خطّ المرمى، وهي تقنيّةٌ طُبّقت حديثًا في الملاعب الإنجليزيّة، أتاحت فرصة معرفة صحة تجاوز الكرة خطّ المرمى من عدمه، عبر إشاراتٍ لاسلكيّةٍ تُرسل إلى السماعات التي يضعها حكم الساحة.

مشهدٌ مقرّبٌ للكاميرا الطائرة العنكبوتيّة

ولم يكن هذا كلّ ما في الأمر، إذ لاحظت أثناء المباراة تواجد جهازٍ الكترونيٍّ صغيرٍ يحلّق فوق الملعب بالطّول والعرض! فسألت عمر عن ذلك فأخبرني أنّها الكاميرا الطائرة، والتي كانت تُدعى Sky-cam سابقًا، وأصبح اسمها حاليًا Spider-cam، أو الكاميرا العنكبوتيّة، نسبةً إلى تعليقها من أطراف الملعب ال4 كشبكة العنكبوت، وهي تقنيّةٌ كانت تستعمل سابقًا في بعض ألعاب الكرات التي تجري داخل الصالات، قبل أن يتم نقلها إلى الملاعب المفتوحة، وهي تتيح رصد الملعب من الأعلى عبر عدساتٍ عالية الدقّة، حيث تظهر الصورة لدى المشاهد ثلاثيّة الأبعاد وبزاويةٍ كاملةٍ 360 درجة، وهي من أحدث تكنولوجيات التصوير المعتمدة في الملاعب حاليًّا، والتي تتطوّر بشكلٍ يوميٍّ إلى درجةٍ أصبح فيها المشاهد يعيش الحدث وكأنّه داخل الملعب!

وأردف عمر بأنّ هناك تكنولوجيا تصوير حديثة سيجري اعتمادها في الملاعب الإنجليزيّة، تُدعى بكاميرا الصدر، وهي عدسةٌ صغيرةٌ يتمّ تثبيتها على قمصان اللاعبين أو الحكّام، بهدف رصد تحركاتهم عن قرب، وقد تمّ استعمالها فعلًا في بعض الرياضات الأخرى ككرة السلّة، ويجري العمل على نقلها إلى الملاعب الخضراء، لتشكّل قفزةً نوعيّةً هائلةً في عالم التصوير الرياضي.

مشاهدٌ لغرفة التحكّم وعربة البثّ الخارجي

وبينما عمر مسترسلٌ في شرحه، ضجّت أرض الملعب فرحًا بتسجيل هدفٍ لأحد الفريقين، فأسرع عمر راكضًا نحو أعلى المدرّجات بجانب الكاميرا الرئيسيّة، حيث دخل غرفةً زجاجيّةً صغيرةً كان يوجد فيها عددٌ من الأشخاص، ثمّ خرج بعد هنيهةٍ وأشار لي بيده داعيًا إياي للولوج، فدخلت الغرفة لأجد عددًا هائلًا من الشاشات الصغيرة، وبجانبها أجهزة تحكّمٍ وكومبيوترات، ونظرت إلى عمر منتظرًا شرحه، فهمس في أذني قائلًا: هذه غرفة التحكّم أو الكونترول، حيث يجلس مخرج المباراة ومعه مساعدوه، وهم المسؤولون عن كافة الأمور التقنيّة والفنّية المتعلّقة بالبثّ التلفزيونيّ، حيث يقومون بالتنسيق بين مدراء التصوير ومهندسي الصوت والإضاءة داخل الاستاد، ويتواصلون بواسطة أجهزة الاتصال مع مدراء الاستديو الرئيسيّ الخاص بالقناة الناقلة، كي تخرج المباراة بأبهى صورةٍ ممكنة.

ويساعدهم في عملهم مجموعةٌ من التقنيين، الذين يتمركزون عادةً داخل عربة البثّ الخارجي، وهي شاحنةٌ ضخمةٌ تحمل جميع معدّات التصوير والصوت والإضاءة وغيرها، وتكون مزوّدةً بكافة التقنيات اللازمة لبثّ المباريات عبر الهواء، أو تسجيلها لإعادة عرضها لاحقًا، وقد يكون هناك أكثر من عربةٍ واحدةٍ لكلّ قناة، علمًا بأنّ تلك العربات تعدّ محطّات تحكّمٍ خارجيّةٍ أيضًا، قد يجلس فيها مخرج المباراة أو أحد مساعديه.

فيديو مطوّل يصوّر أدق التفاصيل من قلب ملعب الإنفيلد بليفربول

وهنا خطر ببالي تساؤلٌ طرحته على عمر، مفاده: هل تتشابه تقنيات البثّ والتصوير في جميع ملاعب دول العالم؟ فابتسم الصديق وأخبرني بأن ما شاهدته يعدّ قمّة ما توصّل إليه العلم في مجال التصوير التلفزيونيّ الرياضي، وبأن معظم دول العالم لا تمتلك كلّ تلك التقنيّات، وقد يقتصر الأمر فيها على مجرّد كاميرا رئيسيّة وأخرى محمولة، كما يمكن أن يختلف توزّع المصوّرين وعددهم بحسب سعة الملعب وأهمّية المباريات، كما تمنع قوانين بعض الدّول المصوّرين من تجاوز الحواجز الفاصلة بين الجماهير وأرض الملعب، بعكس الملاعب الإنجليزيّة التي تزداد متعة المشاهدة فيها بسبب قرب الجماهير من أرض الملعب، والعدد الهائل من الكاميرات عالية الدّقة التي تصوّر الحدث عن كثب.

وإلى هنا انتهت رحلتي الممتعة بين عدسات التصوير، والتي حظيت فيها بفرصة متابعة مباريات كرة القدم من منظورٍ جديد، وتعرّفت على الأشخاص الذين يعملون خلف الكواليس، من أجل إيصال صورة الملاعب الخضراء إلى منازلنا بأبهى حلّة.

2017-03-26 2017-03-26
mubasher24